كتاب في العربية السعيدة: دراسات تاريخية قصيرة للدكتور محمد عبد القادر بافقيه، يمثل الكتاب محاولة جادة لإعادة قراءة التاريخ اليمني القديم عبر استقراء دقيق للنقوش المسندية والروايات التاريخية، متجاوزاً بذلك الضبابية التي أحاطت ببعض أحداث وأعلام تلك الحقبة. العلاقة بين عرب الشمال وعرب الجنوب. ينقض الكتاب النظريات التقليدية التي تفسر العلاقة بين العرب (العدنانيين والقحطانيين) ككيانات سلالية منفصلة، معتبراً إياها علاقة تفاعل حضاري وتداخل جغرافي، حيث أثرت الحضارة اليمنية في القبائل الشمالية نتيجة الاحتكاك التجاري (طريق البخور)، مما أدى إلى تحول القبائل البدوية إلى كيانات سياسية منظمة. يوضح أن لقب (التبابعة) لم يكن مجرد لقب تشريفي، بل تجسيد لبلوغ النفوذ الحميري ذروته في شبه الجزيرة. يغوص الكتاب في تفاصيل القوى القيلية (الأقيال) التي كانت تحرك المشهد السياسي في الهضبة اليمنية، موضحاً كيف لعبت هذه الأسر أدواراً محورية في الصراع بين سبأ وحمير، وكيف أثرت تقلبات ولائها على استقرار أو انهيار الدولة المركزية. يتناول الكتاب شخصية (اليزنيين) ودورهم في الأحداث التي سبقت الإسلام، ويعيد قراءة روايات الإخباريين عن سقوط الحكم الحبشي، مقدماً تصوراً علمياً يربط بين نفوذ الأسرة اليزنية وبين التطورات السياسية التي قادت إلى انهيار التواجد الحبشي في اليمن. يبتعد بافقيه عن الاعتماد الكلي على الروايات المتأخرة، ويجعل من النصوص النقشية (المسند) المرجع الأساسي للتأريخ، خاصة في تحديد التسلسل الزمني للأحداث. يعد هذا الكتاب مرجعاً أساسياً للمتخصصين والمهتمين بتاريخ اليمن القديم، فهو لا يكتفي بعرض الحقائق، بل يفتح آفاقاً جديدة للنقاش والتحليل، ويصحح الكثير من المفاهيم التاريخية التي استقرت في الذاكرة الجمعية أو كتب التاريخ الكلاسيكية، مؤكداً أن تاريخ اليمن القديم هو تاريخ حضارة ديناميكية متصلة بالعالم من حولها وليس تاريخاً معزولاً.
يرجى تسجيل الدخول لإضافة مراجعة.